الخميس, 09 فيفري 2017 09:11

الوحدة المغاربية حلمنا الذي مات .. ماذا بقى لنا من الاتحاد المغاربي ؟؟؟

كتبه 
قيم الموضوع
(2 أصوات)

تحل هذه الأيام ذكرى إنشاء اتحاد المغرب العربي، وتمر هذه الذكرى ولا أحد يشعر بها من مواطني الدول الخمس المعنية، فعنفوان الحلم قضت عليه إكراهات السياسة ، والشعوب المغاربية التواقة إلى بناء صرح وحدوي يجمع الموريتاني مع التونسي والمغربي مع الجزائري، أيقنت بعد سنوات عجاف أن دم القرابة والجوار أصبح ماء وأن طموحات الساسة وخلافاتهم وألاعبيهم أكبر وأقوى من أماني المواطن المغاربي البسيط.
بعد أكثر من ربع قرن على إنشاء اتحاد المغرب العربي،الذي ولد في مدينة مراكش المغربية في شهر فبراير سنة 1989 لا أحد اليوم يتذكر هذا التجمع الإقليمي الذي يرى الكثيرون أنه ولد ميتا وهو يقترب من عامه السابع والعشرون.
ولد الاتحاد عام 1989 بمبادرة ما بين العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد، في ظرفية دولية وإقليمية شهدت تقلبات سياسية نتيجة انهيار المعسكر الاشتراكي وزوال منطق الحرب الباردة، التي قسمت المنطقة المغاربية لجيلين، وكان هناك أمل يحدو البلدين المغاربيين الأكبر في تحقيق تقارب يضع الخلافات البينية التي سادت خلال القطبية الثنائية وراءهما.
منذ عام 1994 لم يعقد الاتحاد أي قمة على مستوى الرؤساء، نتيجة الخلافات الكثيرة بين أعضائه؛فقد انكفأ كل بلد على نفسه لتدبير مشكلاته الخاصة .
لقد شكلت لحظة الإعلان عن قيام الاتحاد المغاربي لحظة تاريخية داعبت فيها آمال المستقبل أحلام الكثيرين وتم وضع الخطط والمشاريع، وبدا وكأنا أمام سنوات قليلة حتى يتم التكامل والاندماج، ولكن رياح الواقع المعقد جرت بعكس ما تشتهي سفن الحالمين، وظهر أن الخلافات ، الحقيقية والمفتعلة، بين الدول الخمس أكبر من أن يتم تجاوزها ببساطة، والأدهى والأمر أنه تجلى لنا كشعوب مغاربية أن إرادة الوحدة لا تساوي شيئا مقابل رغبة السيطرة والتنافس غير الشريف في إظهار قوة ومتانة هذه الدولة أو تلك، ورغم أن التجربة الوحدوية الأوروبية الناجحة  شكلت مصدر إلهام ونموذجا كان يمكن الاحتذاء به، حيث استطاع الأوروبيون رغم ماضي الحروب والخلافات ورغم تعدد اللغات وتناقض المصالح، أن يتجاوزوا كل ذلك وأن يصنعوا اتحادهم، إلا أن البلدان المغاربية رغم ما يجمعها من مصالح اقتصادية هائلة ووشائج تاريخية وروابط جغرافية، صارت ضحية لخلافاتها السياسية الآنية وصراعات النخب الحاكمة التي قتلت حلم الوحدة المغاربية في مهده، ولقد شكلت “الحرب الباردة الصادمة” بين القوتين الرئيسيتين في المنطقة الجزائر والمغرب، السبب الأبرز في فشل الاتحاد المغاربي، وأصبحت قضية الصحراء الغربية عقدة في المنشار، فالمملكة المغربية ترى في الموقف الجزائري من هذا الملف عملا عدائيا صريحا يمس السيادة الوطنية المغربية، فيما ترى الجزائر بدورها أن أي اتحاد مغاربي لن تقوم له قائمة حتى يتم إنصاف الصحراويين ومنحهم حرية تقرير المصير، ولم تستطع الدولتان، أو لم تريدا، أن تتجاوزا هذه العقدة أو أن تحيداها على الأقل حتى ينطلق قطار الوحدة المغاربية، وبالإضافة إلى الخلاف الجزائري المغربي المزمن بشأن قضية الصحراء والصراع الخفي بين البلدين على النفوذ وقيادة المنطقة خاصة بعد أن كشف العاهل المغربي، الملك محمد السادس، أولى "انطباعاته" بخصوص مصير الاتحاد المغاربي، في ثنايا الخطاب الذي ألقاه مؤخرا، بمقر الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا، بمناسبة عودة المملكة للاتحاد الأفريقي، عندما ذكر أن "شعلة اتحاد المغرب العربي قد انطفأت". فهل وقع ملك المغرب شهادة وفاة الاتحاد المغاربي الذي لم يلتئم قادته باجتماع منذ 23 سنة؟.
كانت تقلبات ومزاجية الراحل معمر القذافي سببا آخر لعرقلة المشروع المغاربي، فالقذافي الذي تحمس في البداية للمشروع، ما لبث أن ولى وجهه شطر إفريقيا وبدا زاهدا في العرب ومشاريعهم الوحدوية،وقد سعى الزعيم الليبي الراحل، معمر القذافي، إلى إذابة الجليد بين الجزائر والرباط؛ بسعيه عام 2005 لعقد قمة لاتحاد المغرب العربي في ليبيا، غير أن مسعاه لم ينجح، بعد أزمة طارئة بين العاصمتين، إذ رفض الملك المغربي محمد السادس، في آخر لحظة، التوجه لحضور قمة الاتحاد، وذلك بعد أن أرسل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رسالة إلى مسؤول جبهة البوليساريو آنذاك، محمد عبد العزيز، يؤكد فيها أن الجزائر مستمرة بدعمها اللامشروط للبوليساريو.
واعتبرت الرباط رسالة الرئيس الجزائري لعبد العزيز عشية القمة "عملا عدوانيا ضد وحدتنا الترابية"، وفق بيان للخارجية المغربية في ذلك الوقت، ما دفع بالقذافي إلى اتخاذ قرار بإلغاء القمة، وكانت تلك آخر محاولة لترتيب لقاء على مستوى القادة المغاربيين.
إن الخلافات بين المغرب والجزائر، وإن انعكست سلبا على الاتحاد المغاربي، مثلما انعكست سلبا على العلاقات الثنائية، إلا أنه من الناحية الاقتصادية، فإن الحجم المبادلات التجارية بين البلدين أكبر بكثير من حجم المبادلات بين الجزائر وباقي دول الاتحاد المغاربي ، إذ أن حجم المبادلات بين الجزائر والمغرب بلغ العام الماضي مليارا و100 مليون دولار، وهو رقم معتبر، حيث تصدر الجزائر لجارتها الغربية مواد أساسية ، أهمها الغاز، بينما تستورد منها المواد الغذائية والفلاحية والنفايات الحديدية.
نعم لنكن واقعيين على الصعيد السياسي والدبلوماسي هناك ركود بين الجزائر والمغرب ، فقول ملك المغرب إن شعلة الاتحاد قد انطفأت ليس جديدا، فعمر هذا الاتحاد لم يدم إلا خمس سنوات، من تأسيسه عام 1989 إلى قمة 1994 في تونس.
ولم تكن الدولتين الأخريين موريتانيا وتونس في موقع اقتصادي أو سياسي يسمح لهما بالتأثير سلبا أو إيجابا في موضوع الوحدة المغاربية هذا من جهة ومن جهة ثانية أن دول الاتحاد، غير الجزائر والمغرب، لم تقم بدورها في بعث الاتحاد، وبقيت طيلة عقود تتفرج على خلاف بين دولتين عضوين دون تدخل.
قد لا نبالغ إذا قلنا أن الأوربيين أيضا لم يكونوا مرتاحين لبروز كيان مغاربي يتكلم بلسان واحد، فقد يشكل الأمر عرقلة لسعي الأوربيين إلى إبرام اتفاقات اقتصادية منفردة غالبا ما تكون الدول المغاربية هي الطرف الأضعف فيها.
واليوم وبعد مرور  أكثر من ربع قرن على ميلاد فكرة الوحدة المغاربية، وفي ظل وضع عربي ومغاربي قلق ومضطرب، يبدو مجرد التفكير في الأمر مبعثا للسخرية، فالمجزء قد تمت تجزئته بعد ثورات الربيع العربي والثورات المضادة، فليبيا استحالت إلى شرق وغرب يتقاتلان تحت يافطات مختلفة، وتونس تصارع لتجنب الانزلاق في مهاوي الفوضى والفشل الاقتصادي بعد نجاحها النسبي في تجاوز مطبات ما بعد الثورة، أما الجزائر فهي مشغولة بنفسها في ظل وضع اقتصادي صعب بعد تراجع أسعار النفط ووضع سياسي قلق وموريتانيا مع استقرارها النسبي إلا أنها تمشي على حقل مسامير مع وضع اجتماعي واقتصادي هش ومستقبل سياسي طابعه “اللايقين”، أما المغرب، ورغم استقراره السياسي والاقتصادي النسبي ، فإنه ليست لديه رفاهية التفكير في الدخول في مغامرات وحدوية جديدة.
إن الحلم المغاربي، الذي ناضل من أجله جيل الرواد في الخمسينيات من القرن الماضي، يتعرض اليوم للخيانة، ففكرة الاتحاد المغاربي ليس فكرة أشخاص يعلنون بقاءها أو نهايتها، إنما هو قيم ومبادئ ونضالات تجمّع شعوب كاملة على مدى قرون من الزمن؛ وبذلك سيستمر هذا الكيان، فارضا وجوده بقوة التاريخ المشترك الذي يجمع شعوبه وحقيقة الجغرافيا التي تتطلب من دوله التحضير للمستقبل في عالم أصبح يتجه نحو التكتل والتكامل بين دوله.

بقلم الباحث والمحامي جمال خذيري

قراءة 632 مرات

رياضة وطنية

ثقافة و فنون

رياضة عالمية