الأربعاء, 08 نوفمبر 2017 15:25

من أجل سياسة تربوية جديدة رؤية استراتيجية للإصلاح بقلم محمد البوصيري بو عبدلي

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

التربية تهم كل الأسر التّونسية بدون استثناء وكلّ الجهات بمدنها وأريافها والمدرسة ملك مشترك لجميع التونسيين و كذلك كل تونسي مرتبط بالمدرسة و يهمّه مصيرها.

إن إصلاح التعليم يجب أن يضل بعيدا عن الأنانيّة وعن أيّ حسابات سياسيّة ترهن مستقبل الأجيال الصاعدة.

فمستقبل تونس كله يبقي رهينا بمستوى التعليم الذى تقدمه لأبنائنا. ومن هنا، فإن إصلاح التعليم يجب أن يهدف أولا إلى تمكين المتعلم من اكتساب المعارف و المهارات، و إتقان اللغات الوطنية و الأجنبية، لاسيما في التخصصات العلمية و التقنية التي تفتح له أبواب الاندماج في المجتمع. 

عندما تتعافي المدرسة تترسّخ قيم الجمهورية والمساواة بين جميع التونسيين أمام القانون و العدالة الاجتماعية و العدل بين الناس ...

وعندما تصاب المدرسة بالضعف و الهوان مثلما هو الحال اليوم تتدهور وتتقهقر تلك القيم و المعايير. والدولة التي لا تضمن المواطنة والتكافل بين أفراد شعبها على اختلاف افكارهم السياسية تخلف جيوبا للإقصاء والفقر والتهميش مما يولد العصيان  في مثل هذه المواقف تضعف الدولة وتنبئ بمستقبل مجهول .

وما يلفت الانتباه في هذا الميدان هو كثرة الاصلاحات في ظل غياب شبه كامل لأى استراتيجية تربوية متكاملة مخطط لها على المدى المتوسط وعلى المدى الطويل ومدعومة دعما قويا باستمرارية في التجسيم بوسائل مادية و بشرية ملائمة .

لقد كانت المدرسة التونسية بجميع مستوياتها وطوال عقود محكوم عليها بان تمثل حقل تجارب للإصلاحات مزعومة قائمة في العمق على سوء تصور وتنقصها المثابرة و الاستمرارية الكافية للقيام بتقييم موضوعي ضروري كفيل بأجراء التعديلات الملائمة في الموقف المناسب .   

لقد انجر عن هذا انهيار خطير لمستوى التعليم و خسارة محققة لمصداقية الشهائد التونسية اليوم .

إضافة الى هذا فإن التربية و التكوين لا يمكن أن نكتفي بهما اليوم لضمان نموّ بلد مالم تصاحبهما سياسة وطنية قوميّة في مجال البحث العلمي و التكنولوجي تتطلب استثمارات هامة في المجال البشري والمالي

 و القانوني و المؤسسي وتشريكا  فاعلا ودائما لكل القوى المنتجة العموميّة و الخاصة .

ولعله لا خلاف اليوم في أن التعليم التونسي يعيش أزمة ويمّر بمرحلة من الارتباك و الضعف تنذر بالخطر.

 هذه الوضعية هي جزء من التركة الثقيلة التي خلّفها النظام السابق ومظهر من مظاهرها يشكل أخطر المظاهر نظرا الى ما يترتب عنه من أثار تمس البلاد في الصميم إلا أنها تصيب العقول و النفوس وتنال من المعارف والمهارات والمواقف وتخيب أمال الفرد و الاسرة وتعيق المجتمع عن التقدم وتعطل مشروع الثّورة .

ولئن اتسمت المرحلة البورڤبيّة عموما بأنها في مجال التعليم، مرحلة التقدم فان مرحلة بن علي قد إتسمت بانها كانت مرحلة التوقف ثم التراجع ، ذلك أنها عوضت الكيف بالكمّ و العلم بالوهم وترجمة التفوق والامتياز إلى شعارات خاوية نشرت الفرح المؤقت و الزائف بالنجاح في كل العائلات عن طريق التنازل عن المستوى في مقابل استرداد المشاعر وحشد الولاء.

والبقية يعرفها الجميع : إغراق البلاد بشهائد لا تشهد في الغالب على مستوى علمي، وانفصام بين التكوين و التشغيل، وطوابير العاطلين اللذين يتكبّرون على الاعمال اليدويّة و تتكبّر عليهم الوظائف و مشاكل اقتصادية واجتماعية ونفسية بالجملة هي التي جعلت الأفاق تضيق على الشباب وجعلت سحر النظام البائد ينقلب على صاحبه .

وإن أيّ اصلاح لأوضاع البلاد اليوم لابدّ له من أن يبدأ بالتعليم فيعيد الى العلم قيمته والى المعلم

اعتباره ...فمن المؤسف حقّا أن يجهل أطفالنا اليوم ما عرف آباؤهم وأجدادهم من حكم وقيم نشأوا عليها ومبادئ عاشوا بها من نوع:

العلم يبني بيوتا لا عماد لـها     والجهل يهدم بيت العزّ والشّرف    

ليكن ولاؤنا للوطن ولنهضته ولا تهدروا طاقتكم إلاّ في سبيل العلم والتقدم ومواكبة قمّة العلوم في العالم لنقل وطننا من المستنقع الى الحداثة والحلول المستدامة.    

    ونقترح تجسيم مساهمتنا في المخطّط الأوّلي التالي:

أ‌.    تشخيص أهمّ المشكلات وتحديد أبرز الحاجيات التعليميّة في مستويات التعليم المختلفة (الأساسي والإعدادي والثانوي والتعليم العالي و المهني).

ب. رسم الملامح التقريبيّة لمستقبل التعليم واختيار الأفق الزمني وترجمة الملامح إلى أهداف.

ج‌.  البرمجة وبناء بدائل المستقبل واقتراح الخيارات الممكنة على المدى المتوسط والبعيد.

د‌.    اقتراح خطّة لإحكام الرّبط بين مسالك التكوين وآفاق التشغيل يعهد بتجسيمها إلى لجان للتوجيه والبرمجة بمشاركة ممثلين لعالم الشغل (من المؤسّسات العموميّة ومن القطاع الخاصّ).

ه. اقتراح خطّة للتقييم (بفرعيْه الجزائي والتكويني) تستهدف تكوين المكوّنين وتكوين المتعلّمين ومراجعة مدى ملاءمة الوسائل للأهداف.

 

                       

إننا نعتبر انّ أبرز المشكلات التي تصيب تعليمنا اليوم بالركود هي :

-         أوّلا: تقلّص وعود التعليم بتكوين جيّد يفضي آليّا الى شغل مضمون يمكّن الشابّ من دخل ويضمن له حسن الاندماج في المجتمع ويلوّح له في الأفق بمستقبل زاهر.

-         ثانيا: ضعف الدافعيّة لدى جلّ المتعلّمين وتحوّل النشاط التعليمي، في الغالب، إلى عمل رتيب يتّسم بكثير من التكرار الذي ينتج الملل ويهدر الطاقات والأوقات في تكاليف شكليّة غير فاعلة في التكوين على الوجه المرضي ويتسبّب في عوائق تكوينيّة حقيقيّة.

-         ثالثا: ضعف قاعدتي المثلث التعليمي (أي المعرفة المعلّمة والمعرفة المتعلّمة) بسبب النقص الذي أصبح واضحا في مستوى المدرّسين والضعف الذي أصبح ظاهرا في أدائهم وبسبب الضحالة الطّاغية على مستوى المتعلّمين والتفاوت الموجود بين الحاصل المعرفي والمستوى الدراسي – إلاّ في القليل – وهو ما يؤثر سلبا على التكوين وعلى التقييم معا: وهذه معطيات أثبتتها بحوث كثيرة وشاملة لمستويات التعليم الأساسي والابتدائي والإعدادي والثانوي والتعليم العالي قام بها طلبة ماجستير تعليميّة المواد بالمعهد العالي للتربية والتكوين المستمرّ بالخصوص.

-         رابعا: هيمنة الطابع الكمّي والشكلي على عمليّات التعليم والتعلّم (أي على نشاط المدرّسين والتلاميذ) بحيث يوهم كلا الطرفين نفسه بأنّه قام بما هو مطلوب منه: يوهم المدرّس نفسه بأنّه أكمل الدّرس وأكمل المحور وأكمل البرنامج، ويوهم التلميذ نفسه بأنّه أعدّ الدروس واجتاز الاختبارات وحصّل المعرفة: يتبادل الطرفان نوعا من الوهم أو سوء الفهم ويقعان – عن حسن نيّة – في ضرب من التواطؤ على القيام بالواجب، ولكنّ الطابع الشكلي والهاجس الكمّي يفضحهما المستوى الحقيقي الذي يظهر في المناظرات الوطنيّة، بفرعيها الاشهادي والمهني، والانفصام الذي يتّضح بين مؤهّلات الخرّيجين ومقتضيات التوجيه للتعليم العالي أو مقتضيات عالم الشغل بعد ذلك.

2/ الأفق الزمني وملامح الخرّجين وأهداف التكوين

يقتضي الإصلاح الاستشرافي للتعليم – على المدى القريب والمتوسّط – على الأقلّ حلقة تدريس كبرى شاملة للتعليم عبر مراحله الممتدّة من الأساسي إلى الثانوي أي 13 سنة (6 للأساسي و3 للإعدادي و4 للثانوي) تضاف إلى نقطة شروع هي مفتتح السنة الدراسية 2019: وهو ما يسمح بتحديد أفق زمني مبدئي للإصلاح الذي نقترحه هو سنة 2032.

وبناء على هذا، نقترح أن تعيّن من الآن (وحتّى ما قبل مفتتح السنة الدراسية 2019) لجان خبراء يعهد إليها برسم الملامح التكوينيّة لخرّيجي باكلوريا 2032 توصف فيها بدقّة المكتسبات (المعارف والمهارات والقدرات) التي يجب أن تتوفّر، في كلّ فرع من فروع التكوين على حدة (بحسب أنواع الباكلوريا التي يعدّ لها التعليم التونسي). على أن تكون لجان الخبراء هذه مكوّنة بحسب التخصّصات وتشارك فيها أطراف ممثّلة للتعليم العالي والبحث العلمي والشغل بقطاعيه العمومي والخاصّ، وعلى أن تضع نصب عينها – فيما هي تؤدّي هذه المهمّة – سؤال هو: "ماذا نقدّر أن تكون عليه حاجيات البلاد من حاملي الباكلوريا المختصّة في 2032؟

وماذا عسى أن يكونه التكوين المحرزين عليه، أي ماذا ينبغي أن تكون عليه مؤهّلاتهم؟"

وبناء على هذا ترسم أهداف التعليم العامّة في أفق 2032. ونقترح أن يعهد بمهمّة رسم هذه الأهداف إلى لجنة خبراء مشتركة بين وزارة التربية (إدارة البرامج والتكوين المستمرّ والتفقديّة العامّة للتعليم) وممثّلي الأطراف الخارجية التي أشرنا إليها، مع خبير في بيداغوجيا الأهداف والاستشراف التربوي.

 على أنّ المسؤولين عن رسم أهداف التكوين لا ينبغي أن يغيب عنهم أنّ "الهدف" هو الوصف الواضح الدقيق - القابل للملاحظة والقيس - للسلوك المعرفي أو المهاري المراد من العمليّة التعليميّة أن تحقّقه.

ثمّ إنّ جانبا من أهداف التكوين ينبغي أن ينصرف إلى تكوين المكوّنين، المباشرين للتعليم أو المدعوّين إلى مباشرته في المستقبل القريب، وتنطبق على مواصفاته المعايير نفسها مع مراعاة خصائصه النّوعيّة.

3/ البدائل والخيارات والبرمجة

كي تتحقّق الأهداف المرسومة للتكوين، يتحتّم تجسيم ما هو أهداف في بدائل وخيارات تكوينيّة تستهدف، بدقّة وتفصيل، جميع المستويات التعليميّة، ضمن خطّة متكاملة، متدرّجة بتدرّج المستويات، مصرّفة في كلّ مادّة، يعرف المدرّسون في نطاقها إلى أين هم متّجهون معرفة دقيقة يستحسن أن يشركوا في العلم بها تلاميذهم وأولياء تلاميذهم (من خلال صيغ تضبط للغرض).

ثمّ توضع خطّة التدريس حيّز التنفيذ عبر برمجة يتمّ في نطاقها توظيف أمثل للإمكانيّات الماديّة (من فضاءات وأوقات وتجهيزات ووسائل) والإمكانيّات البشرية (من مدرّسين وإطار تربوي وأعوان) والإمكانيّات العلميّة والبيداغوجية (من معرفة عالمة ومعرفة مشتقّة منها لأغراض التعليم ومعرفة مدرّسة، ممّا يفترض توظيف المراجع والكتب العلميّة والمخابر والوسائل والوسائط التعليميّة بأنواعها).

على أنّ عمليّة الإصلاح – سواء في ما تعلّق بهذه المرحلة أو بما سبقها أو تلاها – تقتضي الإبقاء على ما ثبتت جدواه ونجاعته وإيجاد البدائل الملائمة لما لم يكن كذلك: وهو ما يوفّر على المشرفين على حظوظ التعليم كثيرا من الوقت والجهد والموارد الماليّة، ويحصر العناية في جوانب ومجالات محدّدة من العمل التربوي.

ثمّ إنّ البدائل والخيارات ينبغي أن تتّجه بصورة حصريّة إلى المشكلات والعوائق التعليميّة التي تمتّ الإشارة إليها في أوّل هذه الورقة والتي يعتبر تشخيصها أولويّة كلّ إصلاح .

4/ الربط بين التكوين والتشغيل

من المعلوم أنّ الهدف البعيد من أيّ تعليم أو تكوين ناجح هو توفير الشغل للخرّيجين الجدد خدمة لاستمراريّة التوازن الاجتماعي، وضمانا لتقدّم الاقتصاد، واستدامة للتنمية.

ولهذا فالمقترح – في نطاق التصوّر الذي نقدّمه – هو وضع خطّة لإحكام الربط بين مسالك التكوين ومجالات التشغيل الموجودة وآفاقه الواعدة: وهو أمر يستحسن أن يعهد بمهمّة القيام به إلى لجنة مختلطة فيها ممثّلون لوزارة التربية ولسائر الوزارات والهياكل التي يهمّها أمر التكوين والتشغيل. ويمكن أن يقوم بهذه المهمّة إمّا مجلس أعلى للتربية والتكوين يقع تشكيله على مستوى حكومي أو مرصد يتمّ إنشاؤه للغرض ويدعى إلى الانضمام إليه خبير في الاستشراف أو متفقّد عام للتربية يتلقّى تكوينا خاصّا في هذا الشأن.

على أنّ مهمّة الربط بين التكوين والتشغيل لئن كانت من مهامّ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أيضا، بل ربّما أصلا، فإنّ جانبا منها ينبغي أن يهيّئ له  في مستوى التوجيه المدرسي السابق لتفرّع التعلّمات قبل الباكلوريا بمختلف شعبها. وما دمنا نفكّر في التعليم ضمن هذا التمشّي الاستشرافي فإنّ الرصد الاستباقي لعلاقات التكوين بالتشغيل ينبغي أن يكون من مشاغل وزارة التربية، في مبادئه الأولى على الأقلّ،               على أن يوجد هيكل للتنسيق – في هذا الشأن – بين الوزارتين، في نطاق نظرة نسقيّة أشمل.

ثمّ إنّه من الضروري، لتحقّق أهداف التعليم والتكوين من هذه الزاوية أن يستفيد المخطّطون للتعليم في علاقته بالتشغيل من معطيات تصدر – بالتوازي – عن هياكل للرصد والاستشراف نرجو أن يتمّ بعثها في كلّ القطاعات وذلك لترشيد سياسات البلاد بشكل عامّ.

5/ التقييم

لا يخفى على كلّ ذي نظر – سواء في التعليم أو في غيره من القطاعات – أنّ التقييم نشاط ضروري لأيّ تكوين لأنّه يستحيل بدونه أن نعرف ما تحقّق من أهداف التكوين وما لم يتحقّق، ولا نستطيع أن نشخّص الأسباب الكامنة وراء الفشل والمتسبّبة فيه. ومن المعلوم أيضا أنّ كلّ قرار رشيد لا بدّ له من أن يستند إلى تقييم موضوعي وأنّ كلّ إصلاح أو تغيير يتوقّف على التقييم وينطلق منه.

وهناك ضروب من التقييم يعرفها المختصّون أبرزها التقييم السابق للتكوين (الذي يعتمد لقيس المكتسب أو سبر الحاصل المعرفي لإدراك ما يجب أن يضاف إليه ضمن الحلقات الجديدة). ومنها التقييم المرحلي (الذي يتمّ في آخر كلّ ثلاثية أو سداسية أو سنة أو حلقة دراسيّة)، والتقييم النهائي (الذي يفضي إلى الإشهاد)، ومنها التكويني (الذي يهدف إلى تشخيص عوامل الإخفاق بصفة مبكّرة من أجل تدارك النقائص ويعطي فكرة للمدرّس أو المكوّن عن عوائق الاكتساب في ما يتولّى تقديمه للمتعلّمين ومساعدتهم على اكتسابه)، والتقييم الجزائي (الذي يحدّد قرارات النجاح والفشل والارتقاء والرسوب)... والذي نقترحه، في نطاق أيّ إصلاح مرتقب للتعليم ببلادنا هو أوّلا توسيع الوعي لدى المتدخّلين في عمليّات التدريس والتكوين عندنا بهذه المفاهيم وهذه الفوارق، وثانيا تكوين المكوّنين – المباشرين والجدد – في هذا المجال وتدريبهم على صنع شبكات الملاحظة وشبكات التقييم ومدّهم بالمعطيات الدنيا الضروريّة التي تقتضيها صياغة مواضيع الاختبارات بأنواعها وما أصبح متاحا اليوم من معرفة بطرق الإصلاح وضوابطه ومعاييره ومن إدراك لضرورة الوعي بالفوارق بين المصلحين وبغير ذلك ممّا تقتضيه هذه المرحلة الهامّة من مراحل العمليّة التعليميّة ولا سيما بوظائفها العائدة بالفائدة على التكوين أي بما ينبغي أن تفضي إليه من قرارات تخصّ تعديل التكوين أو مراجعته أو تغييره...

والذي نودّ أن  نضيفه هو أنّها وجهة نظر استمددناها من ممارسة طويلة للتعليم ومواكبة دائمة لمجرياته ومن تأمّل في ما حولنا من دول العالم المتقدّمة علينا فيه واطلاع على معطيات أصبحت اليوم من أدوات العمل اللاّّزمة في مجال المدرسة والدراسة.

الجزء الثاني

تطوير المنظومة التعلمية :

مجموعة أفكار

  1.                   I.            الفكرة الاولى: وضع منظومة تربوية إصلاحية كاملة مترابطة الحلقات

العيوب القديمة التي مازالت متواصلة في تعليمنا إلى حدّ الان ناتجة عن كون كل مرحلة من مراحل التعليم منغلقة على نفسها (الابتدائي منفصل عن الثانوي و التعليم العالي  و المهني على حدة)بحيث تتراكم العيوب و النقائص و المشاكل في التعليم العالي مما يؤدي الى تفاقم البطالة و الانعكاس السلبي على التشغيل.

الحل اليوم هو:

  • وضع سياسة او خطّة عمل عامّة ،شاملة لكلّ مستويات التعليم ،تنظر للتعليم كلّه على أنه برنامج تكوين كلّي و الذي نستنتجه من هذا هو أن إصلاح التعليم بصورة شاملة و ناجعة (حسب نظرتنا) يلزمه معرفة دقيقة و تشخيص دقيق لكل مرحلة على حدة (انطلاقا من نظرة استشرافية) و إدراك المعابر (او ≈ القناطر) التي تنتقل من مرحلة  إلى مرحلة (من الابتدائي الى الثانوي ثمّ من الثانوي الى العالي ثمّ من الجامعة الى سوق الشغل).

  1.               II.            الفكرة الثانية: تكوين أجيال مبدعة و خلاقة تتمتّع بثقة عالية في النفس و في المدرسة و المعهد و الجامعة.

  • هذا يلزمه تطوير لروح الابداع عند التلاميذ (منذ الابتدائي) يعني  وضع برامج و طرق بيداغوجية تطوّر خيال التلميذ و تجعله في وضعيّات ابتكار و خلق و تدرّبه على حلّ المشاكل و تجاوز الصعوبات و هذا يتمّ من خلال دروس و أنشطة و تمارين أو ورشات تنشّط في الأطفال هذه الطاقات . 

   و هذا يتطلّب تعليما يستعمل تقنيات تتشيط  الذكاء و روح الإبداع و الخيال المبتكر لدى المتعلّمين....

  • تنمية الثقة بالنفس لدى المتعلّمين :هذا يتمّ كذلك من خلال برامج خاصّة بالشيء هذا و استعمال طرق و أساليب تنشيط يتحمّل فيها كلّ متعلّم المسؤوليّة (A Tour de Rôle) ويقوم بدور يحسّسه بقيمته و بأنّه إنسان ضروري للمجتمع نافع للأخرين.

  1.          III.            الفكرة الثالثة :إعداد الشباب لاقتصاد المعرفة و مجتمع المعرفة و التأقلم مع المستجدّات و ابتكار الحلول و حسن التصرّف في المخاطر 

  • اقتصاد المعرفة : هو اقتصاد يبيع فيه الإنسان (والمجتمع) الأفكار و الحلول العلميّة و هو سوق كبير يباع فيه الذكاء و الخبرة العلميّة و المهارات التقنيّة و المهنيّة لأناس أو لشعوب لا تملكها.

  • مجتمع المعرفة: هو طور يصل اليه المجتمع عندما تعمّ فيه المعرفة العلمية الجديدة و تتحّول الى مادّة للتسويق و تصبح موردا من موارد المال (و العملة الصعبة) + و هو مجتمع متقدّم فيه خاصية المعلوماتية (L’informatique) و الرقميات (Le Numérique) و علوم

 و تكنولوجيات الاتصال و تكنولوجيا الجزئيات و البيوتكنولوجيا...

  • وهو مجتمع  له صناعة المحتوى (أي يصنع برمجيّات و صفحات و مواقع واب و يحمّل فيها محتويات علميّة أو ثقافية او فنيّة) ثم يبيعها...

  1.           IV.            الفكرة الرابعة :

 تكوين و تعليم متماشيان مع سياق العولمة

  • سياق العولمة  يحتّم علينا أنّ تعليمنا و تكويننا يجب أن ينظر إلى ما يقع في العالم من حولنا

و يكون مستعدّا لأمور كثيرة  أصبحت اليوم ظواهر عالميّة و ضرورية.

مثلا: نكون طلاّبنا على أساس أن يكونوا قادرين على:

  • العمل عن بعد Le Télé Travail(مع تكوين خصوصي في هذا الشأن)

  • و نكوّنهم على أساس مواصفات تكوينيّة تجعل الشابّ المتخرّج قادرا على الاشتغال في أيّ مكان من العالم و هذا يتطلب الرّفع من مستوى التكوين التونسي حتّى يكون ملائما للمواصفات العالميّة (Standard International) + دعم تعليم اللّغات الأجنبية (وخاصّة اللّغات الكبرى التي يعمل بها الاقتصاد العالمي) + وضع برامج خصوصيّة لتعليم لغات لنا فيها احتياجات ظرفيّة و خاصّة (Des Besoins Ponctuels et Spécifiques).

 

 

  1.               V.            الفكرة الخامسة :

تحسين مستوى التدريس

وذلك بـ :

  • إحكام تكوين المكّونين:  انتقاء الشبّان الذين سيكونون معلّمي الغد بأفضل المعدّلات بعد اجتياز المناظرة (18 أو 19من 20) ثم وضع خطّة تكوينيه نوعيّة تمتدّ على 5 سنوات (بعد الباكلوريا) وتخرّج معلمين ذوي كفاءات عالية ...

  • إعادة الاعتبار الى مهن التدريس وهذا بتحسين الوضع المادّي

 و المعنوي للمدرسّين و إعادة الاعتبار و الهيبة الى المدرسة و الجامعة.

  • تقديم تكوين متوازن فيه : الحرص على المعارف و المواقف و المهارات (savoir ,savoir-faire  savoir être) .

 ( Le Cognitif, l’Affectif et le Sensori-moteur)

 

ضرورة تخصيص إمكانية مالية جديدة

من الاكيد أن كل هذه الاصلاحات زيادة هامة في الوسائل و الامكانات المالية التي يجب وضعها على ذمة المدرسة يجب مراجعة ميزانيات المداس في كل المستويات في اتجاه الرفع منها بحيث يبلغ تجهيز المؤسسات التعلمية و الجامعية و تكوين كوادر التدريس في كل الدرجات و التأطير البشري و التقني

 و المالي و الاداري مستوى رفيعا إذ أن هذا الشرط الضروري للرفع من مستوى التربية و التعليم و يتعلق الامر هذا بواحدة من أبرز أشكال التضامن الاجتماعي .

ويجب أن يتمثل تخصيص هذه الامكانية المالية الاضافية أو الاستثنائية في قرارات واضحة و جريئة تسبقها حملة إعلام لأعداد الرأي العام بهذه جلب تأييده للتضحيات المادية التي سيطلب منه تقديمها.

      وفي الختام ، إنّ الامر لا يتعلق إذن، في سياق الإصلاح المنشود، بتغيير البرامج أو إضافة مواد أو حذف أخرى، وإنما المطلوب هو التغيير الذي يمسّ نسق التكوين وأهدافه وذلك بإضفاء دلالات جديدة على عمل المدّرس لقيامه برسالته النبيلة، فضلا عن تحويل المدرسة من فضاء يعتمد المنطق القائم أساسا على شحن الذاكرة ومراكمة المعارف، إلى منطق يتوخى صقل الحسّ النقدي، و تفعيل الذكاء، للانخراط في مجتمع المعرفة و التواصل .

 

وفي هذا الصّدد، ندعو الحكومة الى العمل في هذا الاتجاه من خلال التركيز على ضرورة النّهوض بالقطاع التربوي و التعليمي،  بما يقتضيه الأمر من شراكة ومسؤولية ، فإنّه يتعين الإنكباب الجادّ على تفعيل المنظومة التربوية في صيغتها الجديدة في أقرب وقت ممكن، ووضعها في صدارة الاسبقيّات الوطنية على أن تساهم هذه المنظومة في إنجاح هذا التحوّل الجوهري و المصيري ، ليس بالنسبة الى مستقبل الشباب فحسب، بل لمستقبل تونس، بلدًا وأمّة.

 

  

محمد البـوصيري بوعبـدلي    

 

 

قراءة 143 مرات

رياضة وطنية

ثقافة و فنون

رياضة عالمية